العيني
235
عمدة القاري
حتى صار إلى البرد ويؤيد ذلك قوله : ( حتى وجدت برد لسانه على يدي ) ، وفي رواية : ( برد لعابه ) . الثالثة : فيه دليل على أن أصحاب سليمان كانوا يرون الجن ، وهو من دلائل نبوته ، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم . الرابعة : قال ابن بطال : رؤيته للعفريت هو مما خص به ، كما خص برؤية الملائكة . وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح ، ورأى النبي الشيطان في هذه الليلة ، وأقدره ا عليه لتجسمه ، لأن الأجسام ممكن القدرة عليها ، ولكنه ألقى في روعه ما وهب سليمان فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه ، رغبة عما أراد سليمان الانفراد به ، وحرصاً على إجابة ا تعالى دعوته . وأما غير النبي من الناس فلا يمكن منه ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره لقوله تعالى : * ( إنه يراكم ) * ( الأعراف : 72 ) الآية ، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله ، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية ، فقتله فمات الرجل به ، فبين النبي ذلك بقوله : ( إن بالمدينة جناً قد أسلموا ، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئاً فاذنوه ثلاثاً ، فإن بدا لكم فاقتلوه ) ، رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة ، من حديث أبي سعيد الخدري . ثم اعلم أن الجن يتصورون في صور شتى ، ويتشكلون في صور الإنسان والبهائم والحيات والعقارب والإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير ، وفي صورة الطيور . وقال القاضي أبو يعلى : ولا قدرة للشيطان على تغيير خلقتهم والانتقال في الصور ، إنما يجوز أن يعلمهم ا كلمات وضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله وتكلم به نقله ا من صورة إلى صورة أخرى ، وأما أن يتصور بنفسه فذلك محال ، لأن انتقالها من صورة إلى صورة إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء ، وإذا انتقضت بطلت الحياة ، والقول في تشكل الملائكة كذلك . الخامسة : فيه دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد ، وعل هذا بوب البخاري الباب ، ومن هذا قال المهلب : إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين ، والتوثق منه في المسجد أو غيره . فإن قلت : قوله : ( وأردت أن أربطه ) ، ما وجهه وهو في الصلاة ؟ قلت : يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة ، أو يربطه بوجه كان شغلاً يسيراً فلا تفسد به الصلاة . 67 ( ( بابُ الإِغْتِسَالِ إِذَا أسْلَمَ وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضاً فِي المَسْجِدِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم اغتسال الكافر إذا أسلم ، وبيان ربط الأسير في المسجد ، وهذه الترجمة وقعت هكذا في أكثر الروايات وليس في رواية الأصيلي وكريمة قوله : ( وربط الأسير أيضاً في المسجد ) ، ووقع عند البعض لفظ : باب ، بلا ترجمة والصواب هنا النسخة التي فيها ذكر الباب مفرداً بلا ترجمة لأن حديث هذا الباب من جنس حديث الباب الذي قبله ، ولكن لما كانت بينهما مغايرة ما فصل بينهما بلفظ : باب ، مفرداً ، وأما قول ابن المنير : وذكر هذا الحديث في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد أوقع وأنص على المقصود ، لأن ثمامة كان أسيراً فربط في المسجد ، ولكنه لم يذكره هناك ، لأنه ، لم يربطه . ولم يأمر بربطه ، فقول صادر من غير تأمل ، لأن ابن إسحاق صرح في مغازيه أن النبي ، وهو الذي أمرهم بربطه ، فإذا كان كذلك كان حديث ثمامة من جنس حديث العفريت ، ولكن لما كان بينهما مغايرة ما ، وهو أن النبي ، هم بربط العفريت بنفسه ، ولكنه لم يربطه لمانع ذكرناه ، وههنا ربطه غيره ، فلذلك فصل البخاري بينهما بلفظ : باب ، مفرداً ، وهو أصوب من النسختين المذكورتين ، لأن في نسخة الجمهور ذكر الاغتسال إذا أسلم ، وليس في حديث الباب ذكر لذلك ولا إشارة إليه ، وفي نسخة الأصيلي ربط الأسير غير مذكور ، وحديث الباب يصرح بذلك ، وأبعد من الكل النسخة التي ذكرها ابن المنير وهي : باب ذكر الشراء والبيع ، وفيه أبو هريرة : ( بعث رسول الله خيلاً . . . ) الحديث ، ثم قال : وجه مطابقة حديث ثمامة للبيع والشراء في المسجد أن الذي تخيل المنع مطلقاً ، إنما أخذه من ظاهر أن هذه المساجد إنما بنيت للصلاة ولذكر ا ، فبين البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد ، وهو ربط ثمامة ، لأنه مقصود صحيح ، فالبيع كذلك ، انتهى ، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف . وقال صاحب ( التلويح ) ، بعد أن نقل هذا الكلام منكراً عليه ومستبعداً وقوعه منه : وذاك لعمري قول من لم يمارس كتاب الصحيح المنتقى في المدارس